حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
51
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الرباني . قوله فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا الآية . للمفسرين فيه قولان : الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من اللّه إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال طائِعِينَ على لفظ جمع المذكر السالم ، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء . ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع . ومن هؤلاء من قال : نطق من الأرض موضع الكعبة ، ومن السماء ما بحذائها ، فجعل اللّه لها حرمة على سائر الأرض . وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا : معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم ، وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا : جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك . ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال : أتى عمله مرضيا . ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قرارا والسماء سقفا لها . وقوله طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين . والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة ، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم ، وأن يكون المراد ما تقدم . وقال بعضهم : الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف . وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره . قلت : لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما . قوله فَقَضاهُنَّ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان . والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سماوات سبع . وانتصب سَبْعَ سَماواتٍ على الحال . وإما مبهم مميز بما بعده . يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين ، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات وما فيها في يوم الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة . وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم ، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود ، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السماوات وقبلها . وقيل : الإيحاء هاهنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح وَحَفِظْناها حفظا من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مرارا . وجوّز جار اللّه أن يكون حِفْظاً مفعولا له على المعنى كأنه قال : وخلقنا المصابيح زينة وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر .